ودعت الساحة الفنية المغربية مساء الثلاثاء 3 فبراير 2026 أحد أبرز صناع السينما الوطنية، المخرج والسيناريست محمد عهد بنسودة الذي رحل عن عمر يناهز 56 عاما بعد مسيرة إبداعية امتدت لعقود وتركت بصمة واضحة في الفن السابع المغربي.
النبأ الحزين أعلنه الناقد السينمائي عبد الإله الجوهري الذي نعى الراحل بكلمات مفعمة بالعاطفة والتقدير، واصفا إياه بالرجل الطيب والمبدع المحارب الذي شكل وساما على صدر السينما المغربية. الجوهري أشاد بالجوانب الإنسانية والفنية للفقيد، مؤكدا أنه كان صديقا وأخا ورفيق درب جمع بين الحس الإنساني العميق والالتزام الفني الراسخ.
ولد محمد عهد بنسودة في مدينة تطوان بتاريخ 17 يوليوز 1969، حيث نشأ في بيئة ثقافية غنية ساهمت في صقل موهبته الفنية منذ سنواته الأولى. درس التاريخ والأدب الفرنسي في كلية الآداب بفاس، وهي الدراسات التي أثرت رؤيته الفنية ومنحته عمقا فكريا انعكس لاحقا في أعماله السينمائية. طموحه دفعه للانتقال إلى فرنسا حيث تابع تكوينه الأكاديمي في مجال الإخراج السينمائي، وهناك صقل مهاراته التقنية واكتسب خبرات عززت من أدواته الإبداعية.
المسيرة الفنية للراحل تميزت بتنوع غني شمل السينما والتلفزيون والوثائق، حيث أنجز عدة أفلام روائية طويلة من بينها الشبح الراجع وخلف الأبواب المغلقة وموسم المشاوشة. هذه الأعمال لم تكتف بالعرض المحلي، بل شقت طريقها نحو المهرجانات السينمائية الوطنية والدولية حيث حصدت جوائز وتكريمات عديدة، مما ساهم في تعزيز مكانة السينما المغربية على الخريطة العالمية.
الأفلام الوثائقية والإنتاجات التلفزيونية التي أنجزها بنسودة حملت أيضا بصمته الفنية المميزة، وعكست قدرته على التعامل مع أشكال سينمائية متنوعة دون أن يفقد هويته الإبداعية. هذا التنوع في الاشتغال أثرى تجربته وجعله اسما بارزا في الوسط السينمائي المغربي.
المواضيع التي اختار بنسودة معالجتها سينمائيا امتازت بعمقها وجرأتها، حيث نجح في خلق توازن بين التقليد والحداثة، مقدما صورة متعددة الأبعاد عن المجتمع والثقافة المغربية للجمهور المحلي والعالمي. أعماله لم تكن مجرد ترفيه بصري، بل حملت رسائل إنسانية واجتماعية عميقة دفعت المشاهد للتفكير في قضايا راهنة.
الاهتمام بقضايا المرأة شكل محورا أساسيا في المرحلة الأخيرة من مسيرته الفنية، حيث أخرج عام 2023 فيلم مطلقات الدار البيضاء الذي سلط الضوء على معاناة النساء المطلقات في المغرب والتحديات الاجتماعية والنفسية التي يواجهنها. هذا الفيلم عكس حساسيته تجاه القضايا الاجتماعية والتزامه بإعطاء صوت للفئات المهمشة عبر الفن السينمائي.
خبر رحيل محمد عهد بنسودة أثار موجة واسعة من الحزن والتفاعل في الأوساط الفنية والثقافية المغربية، حيث عبر العديد من المخرجين والممثلين والنقاد عن تعازيهم وإشادتهم بإرثه الفني.
رحيل بنسودة يترك فراغا كبيرا في المشهد السينمائي الوطني، لكن أعماله ستبقى شاهدة على موهبته وإخلاصه للفن السابع، وستستمر في إلهام الأجيال القادمة من صناع السينما المغربية.










